... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

  فنون عالمية

   
الذات الحاضرة الذات الغائبة

سعد القصاب

تاريخ النشر       24/10/2011 06:00 AM


بذريعة وصف الغرابة وعدم التوقع التي كانت حاصلة في تجارب الفن الحديث، ثمة أمثولة، لطالما تكررت في الخطاب الفني، بعدما أتمّ بيكاسو (1881-1973) رسم الصورة الشخصية للكاتبة الأميركية المهاجرة جيرترود شتاين (1874-1946) ذكر: أنه يعلم بعدم وجود شبه قائم بين اللوحة والكاتبة، ولكن مع مرور الوقت ستشبه جيرترود اللوحة. رد يكرّس المفارقة الآتية: أصبح النموذج، هو الذي يشبه اللوحة. أو الذات هي التي تلاحق صورتها لأجل البقاء. لم يكن تعليل هذا الاختلاف، بصحة التشبيه والتمثيل في فن الصورة الشخصية، الذي قاله عام 1906 احد الفنانين الكبار، يذكر للمرة الأولى في تاريخ الفن. فقد قال مايكل انجلو (1475-1564) شيئا مماثلا، من قبل، عند انجازه عملين نحتيين معدومي الشبه، لأميرين من أسرة ميديتشي: "بعد ألف عام لن يعرف احد الفارق". لا يتعلق الأمر في حالات كهذه بخبرة التعبير والإخلاص للشخصية المرسومة، وإنما بتمثيل الحقيقة. فن الصورة الشخصية، الذي يعدّ مماثلة بين العمل الفني والنموذج، والفن العامر بالوجوه، والأثر الذي يبقي صورة الإنسان في منطقة شديدة الرسوخ في التاريخ والفن، وأحد السبل للإمساك بذات الإنسان والتعريف بتراتبيتها، وطمأنة رغبتها بمضاعفة البقاء في الحياة، الذي عرّف بصور الإلهة وأشكالهم على الأرض، وأبقاهم ماكثين فيها يراقبون أفعال البشر وخطاياهم، بات مهملاً في عالم اليوم، ولم يعد يصحبه التبجيل والثناء، ولا الاكتراث والقبول، في حين انحرفت مهماته عن أهدافها، وتخلى عن أكثر أدواره رهافة: التقاء الذات، النموذج، مع فرادة الفنان. كان فناً كثير التطلّب، ويسعى ليكون أكثر دقة من الواقع. لقد اختفت منه، صورة الذات المكتملة التي كان الفنان يراهن على تشخيصها بمهارة روحية لا تبارى، وأعيد تمثيلها، بممارسات تقنية وتعابير أسلوبية، محايدة أو استفزازية، كاشفة عما يحصل لها في عالمنا الواقعي: التهميش، التنكيل، السخرية، التشويه، الازدراء، والغياب. إن أي معاينة لأعمال فنية مكرسة في الفنون التشكيلية والبصرية الراهنة، معنية به، تعثر على شواهد كثيرة. لم يعد فن الصورة الشخصية يخمّن أسرار نماذجه، وخباياها، والتصريح بتوصيفها. لقد تحوّل إلى أن يكون ممارسة أدائية تكشف عن اهتماماتها الخاصة وتكتفي بها.

كما أن دلالة الذات، ثقافيا، لم تعد تحظى بموقع فكري ومادي محدد. هي الآن فكرة غير واقعية، غير مجسدة، غامضة، تحلّق وحدها في فضاء إنسانيتها المبعد والمهمل، فيما تخلت عنها، تلك الخطابات التي حاولت، في السابق، الكشف عن فضائلها، وتأكيد اختبارها. الذات راهنا ليست سوى مجاز وتتمة في كلام. تضمين. نستمع الى نقاشات عنها تأتي من علماء النفس، والاستشاريين، وضيوف البرامج الحوارية والأدلة الإرشادية على الانترنت. لقد تم استبدالها بالفردانية: النرجسية، الانفعال، المتعيّة، الأنا، الاضطراب، العنف والمثلية. مثل هذه المتغيرات، الان، هي التي تتلاحق باطراد، كي تكون بديلا من تعبيرية الذات وتمظهراتها في الواقع والفن على السواء. صاحب استقلال فن الصورة الشخصية بداية لـ "أنا أفكر" الديكارتية، المقولة التي أسست لفكرة الذات. كانا معاً، بحق، العمل الفني والذات، من ابتكارات المسار التنويري الذي ترسّخ منذ أربعة قرون، الشديد الاكتراث بالإنسان الدنيوي ووجوده المبدئي، والذي انطوى على فسحة من الأمل. الإنسان لم يعد كائناً اتباعياً، فيما بات الفنان يرى ذاته، ليس عبر ظلال المرايا لكن في النظر إليها وجهاً لوجه، متجلية أمامه كوجود صوري مستقل في العمل الفني. بنزوع وجداني رفيع، وعلى نحو حيوي، ابتكاري وخلاّق، يرسم رامبرانت (1606-1669) لنفسه 62 صورة شخصية. لم يحصل الأمر من قبل. لقد كان الفنان قبل ذلك العصر دونما حظوة تذكر، "زهيد الأجر يفتقر إلى موطن مستقر، ويحيا حياة تجوال، ومن ثمّ فقد كان غريبا دخيلا على المدينة التي كان يعمل فيها" (ارنولد هاوز).

التعبير الحزين
لازم المبدأ التمثيلي فن الصورة الشخصية حتى الانطباعيين. كانت هبة التشبيه قد منحته لحظة انتماء خالصة إلى الفن. لم يخلق أشخاصاً وهميين بل كانوا حقيقيين دائما. ربما خفتت بعدها دقته التحليلية، جراء خضوعه للتحولات التي حدثت في انتقالات التجربة الفنية، كما الأمر مع التأثيريين، حينما كانوا يرسمون الوجوه كما يرسمون الأشياء الأخرى. مع مطلع القرن المنصرم كان ثمة بحث لدى فناني الحداثة لإحضار جماليات أخرى لا يتوافر عليها الواقع، تتعدى خبرة التاريخ إلى خبرة الذات الجديدة، التي بدت معالمها شديدة الوضوح. كان الواقع بالنسبة إليهم يعني الآخرين، أي ما هو في متناول الجميع، فيما العمل الفني يعني التفرد. لم يكونوا مهتمين بشروط المماثلة معه، في حين خضع فن الصورة الشخصية للاهتمامات نفسها، وأصبح ضرباً من مغامرة، وسؤال يستفسر عن حال الذات في هذا العالم، وليس إجابات وافية عن صدقية اللحظة التعبيرية التي يتطابق فيها النموذج والعمل الفني. اقترن فن ذلك العصر الشديد التميز، بترتيبات إجرائية مغايرة، محدثاً انتهاكاً لأهداف جمالية وصورية امتدت لخمسة قرون فائتة، ما شكّل اختلالاً في الإدراك والحساسية الجمالية السائدة، بأثر مطالب تمثلت بضرورة ارتياد مناطق مختلفة في المخيلة والحس، لم يزرها احد في الماضي، ولم يبلغها من قبل الأسلاف من الفنانين. على الفن، منذ تلك اللحظة الخلافية، أن يبدأ من كيفية النظر إلى العالم لا الاكتفاء بالنظر إليه. وحدهم الفنانون، وجرّاء حرية تأصلت فيهم، توافر لهم طموح كهذا، عند الانتباه إلى ذواتهم في كونها لا تحمل عنوانا واحدا مقررا لكنها تحتفظ بصفات متعددة، ومعان اشد تنوعا. كانوا، كذلك، أبناء مدينة شهدت هي الأخرى حداثتها معهم، ولم تكن بالنسبة إليهم محطة عارضة بل حياة. باريس، لندن، برلين هي الأمثلة الأكثر غنى. المدينة شكلت فضاء، معقداً، متضاداً، كثير التناقض، ومجالاً شاسعاً للتعقيد، للصراع، للتوتر، للاختلاف، وفي آن واحد، مجال التحقق الكامل للخبرة الجديدة، للتنوع، للتعدد، للتغيير الدائم وتحلل القديم. كانت هي الواقع الجديد وفق مبدأ مختلف. انعتاق من وجود إلى آخر مغاير. جموع متراصة، حشود كثيفة من جنسيات مختلفة، لغات متنوعة، ثقافات متعددة. مجهولون غرباء لا يعرفون بعضهم. تدفق سلعي، وأشياء ذات طبيعة صناعية غير مسبوقة. كانت مدينة الحداثة تلك، كونية وكولونيالية معاً.

وحدها الذات قابلت مصيرها بمفردها، في هذا المحترف التجريبي الكبير، وبأوضاع لم تختبرها في السابق، حيث الإحساس الثقيل بدنيوية العالم، والزمن الذي ينتقل بكثافة، والوقائع التي تتشظى. كانت المدينة موحية لرؤى شديدة الخصوصية للفنان، وليس من سبيل سوى التوحد مع انشغالاتها، من إيحاءات وصور مشتهاة، معارض، صالونات، ومقاه. صخب عالم مديني بكر، وكذلك فضاء للاغتراب والعزلة. في خضم هذا التطاحن كانت الذات تتمثل نفسها كي تكون موضوعاً فنياً وجماليا أكثر مغايرة. لكن على عتبات ذلك القرن، ما قبل بداية الحرب الأولى وإثناءها وما خلّفه رعب خنادقها، كان شعورها بالخشية قائماً من صعوبة تحقيق حريتها التي تخيلتها. لقد باتت مكرهة على تنفيذ ادوار من اجل حياة تزداد فيها سطوة التقنية ونزعة الأداء الوظائفي وخبث السلطة. كانت وكأنها غاية روحية حبيسة. لم تعد مشاهد الحياة اليومية البهيجة كافية. لقد تم التعويض عنها بشحنات كامنة، باستعارات خفية من الإحساس بالوحدة، وباهتمام أكثر للتخيل ولطوباوية المشاعر، وباستيعاب حزن الواقع اليومي لغرض التحرر منه والتفوق عليه. وكان فن الصورة الشخصية موهوباً لعين تتواطأ مع خيال غامض وحزين، بل يكاد أن يكون سيرة شخصية عن ذوات ملتاعة في عزلتها. فمن داخل محترفاتهم الشخصية التي عادوا إليها، بعدما هجرها الانطباعيون، صار الفنانون ينظرون إلى العالم بعدم اليقين. كانت مظاهر رؤيتهم وأشكالها تتمثل بوقائع العاهرات، والمهرجين، والضجيج، والوحدة، والقبح، والمرض، والعتمة. كان ثمة توسل يفيض على حدّه لكل ما هو شعوري ووجداني. نظر النقاد بحذر الى نوع من الفنانين وإلى تجاربهم التي سميّت، لاحقاً، بالتعبيرية. إذ لم يكن لهم برنامج محدد. كانت لوحاتهم تكاد أن تكون صرخات بسبب أضرار لحقت بأرواحهم، وأثناء ملاحقتهم لصورة غير هانئة عن العالم، وكأن كارثة ما صارت تحدق بهم. كان القلق على ما هو إنساني، مادة للوحاتهم، التي تكاد أن تكون تصوير مشاعر تبحث في عتمة المدينة عن لوعة ذات، يهددها عالم تنافسي، ضاغط وشديد الوطأة. يرسم ادوارد مونخ (1863-1944) لوحته العتيدة "الصرخة" عام 1893. تجربة، هي وليدة صراع خاص وشديد الغرابة مع الحياة. حيث يبوح الوجه وكل حاسة فيه بالذعر. يقول مونخ "إن فني هو اعتراف ذاتي". لكن الآخرين سيتمثلون اللوحة، بعد ذلك، بوصفها أيقونة، رمزاً، شاهداً على وضع الإنسان في القرن العشرين. وبدوافع فردية، يرسم جيمس أنسور (1860-1949) أقنعته التنكرية. ذات تتشظى أشباحاً، ومسوخاً، عابثة تنكرية ضاحكة، كأنها تبادل، بتهكم، وجودها مع صورة العالم. فيما تحوز لوحات ماكس بيكمان (1884-1950)، تلك النظرات الخائفة لوجوه ملتبسة، تطل على فضاءات ضيقة. هذا الفنان الذي جنِّد في الحرب الكونية الأولى، وعاش بعدها منفياً، مات في غربته، وفي لحظة شديدة المفارقة، عند ذهابه الى متحف متروبوليتان في نيويورك، لمشاهدة آخر لوحة، معروضة، رسمها لنفسه.

تمثيلات القبح
ثمة تصورات لافتة أخرى وسم بها فن القرن العشرين: إنها المرة الأولى تقرأ فيها الاتجاهات الفنية من خلال الحروب، ما قبل الحربين الأولى والثانية، وما بعدهما. تضاف الى ذلك مهمة ضدية، أخرى، تمثل موضوعة القبح، واستعارتها كنموذج صوري، بذريعة نفيها وتفنيدها، وخصوصاً بعد خمسينات القرن المنصرم، حين غمرت الأشكال والموضوعات الصادمة المشهد الفني وتجاربه المعاصرة. فللفن صلة استشرافية، راسخة، مع العالم، ربما يكشف عن معناه في بطء، وقد يتأخر قليلا، إلا انه أبدا لا يخفي سنده الأهم: روح العصر، عبر تمثل اشكاليتها، التغذي بنهم على مزاجها، حساسيتها، وقضاياها الجوهرية. لوحات الفنان فرنسيس بيكون (1909-1992)، هي إحدى التجارب الأكثر تمثلا لحالة الذات في تلك الحقبة بعد الحرب الكونية الثانية. كان مصدره الخلاّق، نماذج من صور ضوئية وقصاصات صحف، ومجلات، وصوراً نسخية لأعمال أساتذة فن عصر النهضة، وذكريات موحشة للعالم السفلي للمثليين. يقول: "كنت دائما أريد أن ارسم ابتسامة ولم انجح قط". أعماله صورة فريدة، مبتكرة، لمأساة الحضور الإنساني في فعله الفردي. وجوه ممسوخة بملامح مشوّهة في غير موضعها الحقيقي، وأجساد في وضع صراعي، ايروتيكي، تتلوى بوحشية وغضب. كائنات ارتيابية على أعتاب الهلاك. يقول بيكون في رد فاضح: "نحن جثث محتملة".

 
استيهامات الإشهار
تسبّب تراكم الجهد ما بعد الطليعي في قرن متعجرف بتعبير بودلير، وخروج الفنانين دفعة واحدة من الرؤى السابقة وثقل أزمنتها، باكتساب الفنون المعاصرة أشكالا تحيل على كل ما هو ساخر، مثير، ساخط، هامشي، ساذج، هجين، خلافي وغامض. نعوت مصاحبة لتجارب وبرامج جماعات فنية. هي علامة فارقة لحقبة بصرية وفنية جديدة لما بعد منتصف القرن المنصرم، وحالة تأسيس مختلفة على فكرة الواقع، بسبب إعادة إنتاج صورة مشتهاة عنه، وعلى نحو أكثر قسوة. ماذا على الذات الجمالية أن تفعل في مواجهة عالم يضج بالتعارض، والتنافسية، والارتياب، والفزع، وحاضر مسكون بالرغبة، تتلاشى فيه متلازمات قيمية ذات معنى؟ ماذا عليها أن تفعل سوى أن تغادره، متخلية عنه، وتنأى بنفسها للوصول إلى حافات ابعد، إلى مجال لا تتبين فيه حدود العلاقة بين الواقعي والوهمي. غيابها يعني غياباً للندرة وحضوراً للاستعارة المكررة. هذا ما تبيّنته تجارب الـ"بوب آرت"، التي استدعت الذات كحالة إغراء من خلال الصورة، والطباعة، والاستنساخ. حتى في حالة حضورها الرمزي، الأشد مأسوية، هي ليست سوى وسيط صوري مصمم، وحضور منسوخ وسيّال، مصنّع، صامت ومسيطر عليه، دونما خصائص، ولا فرادة، ولا مرجعيات تذكر عنه. من إنتاج واقع هو نفسه فضاء معدّ للفرجة والاستهلاك. في أعمال أندي وارهول (1928-1987)
ليس ثمة فرق جمالي بيّن في عمل ماريلين مونرو، وغيفارا، وماو، ولوحة الكوكاكولا. في مجتزئات روي ليشتنشتاين (1923-1997) ومشابهاتها لمجلات التسلية وصحفها، تجارب ستتم معاينتها كوثائق صورية ببعد نقدي وتهكمي عن حاضر موغل في حياديته. بتحول صورة الذات في الفنون التشكيلية والبصرية المعاصرة، وإعادة تمثيلها كوسيط بصري وأثيري، يشار إليه كعلامة للمتعة والاستحواذ والسحر، لن يبقى من فكرتها سوى رغبة قابلة للظهور لا يمكن الحصول عليها. لكنها، أيضا، حالة متبدلة معدّة للتأويل، جاهزة للشروح، ومستنفدة بشروط التلقي. تحتفظ إجابتا أنجلو وبيكاسو، بالكثير من الصدق. حينما تغيب الذات لا أحد يهتم للفرق. الصورة ستكون هي الحقيقة الأخيرة، الأغلى ثمناً.





رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  سعد القصاب


 

بحث :

Search Help


دليل الفنانيين التشكيليين

موسوعة الامثال العراقيه

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:



 

 

 

 

Copyright © 1997- IraqiArt.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni