... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

  محور النقد

   
الفنان أبراهيم العبدلي ذاكرة وطن .. وتاريخ جمالي من وجوه ملامح الناس والمدن العربية

سلمان الواسطي

تاريخ النشر       01/10/2013 06:00 AM


الفنان أبراهيم العبدلي ذاكرة وطن
وتاريخ جمالي من وجوه ملامح الناس والمدن العربية




غالبا ما تحمل ذاكرة الأوطان وجوه وملامح لمدن وأناس وشخصيات ورموز فكرية وأجتماعية عديدة , ولكن قلة هم من حملوا في ذاكرتهم الأوطان , هولاء هم المميزين بيننا الذين يسكنهم الولّه  والعشق للوطن لمدنه وحضارته وشعبه.
الفنان أبراهيم العبدلي أحد أولئك المبدعين الذين يسكنهم العشق لتدوين تلك اللحظات العابرة التي قد لا تصطادها عيوننا أو تدركها بصائرنا , فتأتي هنا عين المبدع لتوثق تلك المشاهد والرموز والشخوص  توثيق برهافة جمالية يريد من خلالها الفنان أن يترك في وجداننا تلك المتعة الجمالية التي لا تنسى بسهولة.
يُعد العبدلي من رواد المدرسة الواقعية العراقية , وأحد أقطابها البارزين بعد أستاذه فائق حسن , حيث واصل العبدلي في البحث والتدوين لمساحات واسعة من حياة المجتمع العراقي , ورسم ملامح المدن والوجوه والشخصيات التي شكلت حالة ذوقية وجمالية يلجأ إليها العبدلي بين معرض وآخر ليطلعنا على مهارته الفنية ورؤيته وتجربته في أصطياد المعنى الحسي وأثراء العمل الفني بأبعاد أنسانية وجمالية, اللذان يشكلان من أهم عناصر التي تميز لوحة أبراهيم العبدلي.
تجربة العبدلي أتخذت ثلاث أتجاهات أو مراحل بين فترة وأخرى يبرز أحد هذه المراحل أكثر من الآخر حسب معطيات التجربة وظروفها التي يعيشها الفنان
 
.
الأتجاه الأولى .. البورترية .. لدى العبدلي يأخذ البورترية منحى أبداعي آخر, فرسم البورترية ليس هو حالة شكلية لنسب معينة في الشكل المرسوم , وإنما يأخذ لدى العبدلي بُعد سايكولوجي , أي ماذا يكمن ما وراء الشخصية المرسومة ,
وكيف تأخذ أنامل الفنان بأبعادها الشكلية والماهية التكوينية لها , ليشكل من ذلك كله حالة جمالية نفتتن بها .
في بورترية (الملك فيصل) نرى كيف شكل العبدلي هذه الشخصية بشكل مبهر وبأتقان أكاديمي رائع, وحين يسترسل المتلقي في رؤيته في ملامح هذه شخصية والفضاء المحيط بها يشعر أن هناك حالة من السرد أو البوح الروحي يسكن هذا العمل , هناك حالة من الخشوع الروحي تهيمن على العمل , حالة أشبه بالصمت الذي يشي بنا لحوار مع العمل الفني ننتقل من خلاله الى مسار زمني من الماضي.
التقنية التي يستخدمها العبدلي في رسم البورترية وأستخدامه للألوان الحيادية في العمل هي من تضفي هذه الهالة الرائعة وذلك الفيض الروحي للعمل.
بينما نجد في بورترية الذي رسمهُ للفنانة العراقية ( بتول الفكيكي ) أن العبدلي أخذ زاوية ورؤية تأسر المتلقي حين ينظر الى العمل, ففي هذا العمل يصور العبدلي حالة جمالية رائعة أنهُ يبدع في تصوير حالة حركية تقوم بها الفنانة لذلك ترى في هذا العمل هناك تشكيل موسيقي ساحر, فترى التناسق الروحي والشكلي للعمل يأخذ المتلقي الى حالة من التمتع البصري لتنسيق جمالي يعتري هذا الكائن المصور في تلك اللحظة .
الأتجاه الثاني في تجربة العبدلي هو تصويره للحياة اليومية التي يعيشها الأنسان العراقي , فهو رسمَّ الصيادين والزوارق, رسمَّ الطفولة ومرحها في أزقة بغداد القديمة ,مرورا ببعض العادات والأعراف السائدة في المجتمع العراقي والبغدادي على وجه الخصوص ,رسمَّ حزن النساء بفقد الحبيب أو الأبن أيام الحروب ورسمَّ فرحهن ولهوهن وترفهن العشقي.
في أعتقادي أحيانا الفن يتجاوز مرحلة الأكتفاء بتصوير الواقع, الى مرحلة الممانعة والثبات على قيم جمالية وأنسانية يحاول الفن عدم السماح للخراب الذي تسببه آلة الحروب بالتفشي بين ثنايا المجتمع وركائزه وبالتالي تهديد هذه القيم وسلبها من الفرد الذي يُعد أحد ركائزها,لذلك تصوير العبدلي وتركيزه على هذه القيم الجمالية والأنسانية التي تشكل هوية الفرد العراقي والعربي , تعطي لتجربته أبعاد تتجاوز حالة الفنان الذي يعجبه مشهد حياتي هنا أو صورة درامية هناك , لينفعل معها ويعود يجسدها بالخط واللون, وإنما تصبح العربة والفرس والطير والأزهار والمدن عبارة عن مفردات وثوابت مهمة من قيم جمالية وأنسانية تحرض المبدع على الفعل الأبداعي الخلاق للحفاظ على هذه القيم التي تشكل ركيزة من ركائز المجتمع المهمة


.
الأتجاه الثالث في تجربة العبدلي هو رسمه لملامح المدن العريقة في بغداد وبعض العواصم العربية,
المدينة كانت وستبقى تشكل هاجس وعنصر مهم في كل التجارب الأبداعية سوى الكتابة أو الرسم وغيرها من الفنون الأخرى, المدينة هي أحد نوافذ الوطن بل هي وطن آخر يسكننا أكثر مما نحن نسكنهُ وتزرع فينا أحداثيات زمانية ومكانية عصية على الأندثار, لذلك نرى أن المدينة تشكل هاجس وجداني جمالي وأنساني عذب وموجع لذاكرة وقلب أتعبهُ الطواف في مدن العشق .. بغداد , الموصل , البصرة , جدة , مكة , عمّان ,القدس, السلط ,لندن وغيرها من المدن التي رسمها العبدلي والتي سيرسمها مستقبلا. الملاحظ في تجربة العبدلي مع المدن أنهُ ينحى معها أكثر من منحى أو أسلوب تصويري يبدأها بالواقعية الرومانسية التي تتجسد أكاديميا بالألوان الحيادية الأبيض ودرجاتهُ والأسود ودرجاته اللونية وحسب التون اللوني التي يفرضها الألتزام التعبيري عبر أصول هذه المدرسة , أعتقد أن أحساس العبدلي العالي يجعلهُ يجذب المتلقي ويؤثر فيه من خلال التعبيرية العالية التي يفرضها التوازن اللوني ودرجاته وفق معيار هذا الأسلوب . والعبدلي على دراية بما تؤثر هذه الصياغة في حساسية المتلقي كما نرى ذلك في أعمال ( في لوحة كورنيش مدينة الكوفة  ولوحة زقاق الكرخ  ولوحة مطعم قديم في القدس ) وغيرها من الأعمال , وهذا الأسلوب أستخدمهُ العبدلي في رسم عدد كبير من البورتريهات لشخصيات عراقية وعربية , وغالبا ما كان هذا الأسلوب يعطي للبورترية هالة روحية وعمق وجداني كبير في الشخصية المرسومة وكأن العبدلي يتعمد الذهاب بعيدا برؤية المتلقي.
الشيء الآخر نجد أن العبدلي في عدد من الأعمال ينزاح عن الواقعية بتجاه الأنطباعية أو التعبيرية , ونستطيع أن نقول أن العبدلي كان يتحرك أحيانا من الواقعية البحتة بتجاه الواقعية الموصوفة بالتعبيرية أو بأتجاه الواقعية الموصوفة  بالأنطباعية , ونجد ذلك في أعمال ( لوحة نساء يملأن الجرات بالماء , ولوحة زقاق قديم في جدة , ولوحة زقاق بغدادي قديم ,ولوحة مقهى على الرصيف في مدينة دمام , ولوحة زقاق بأسلوب حديث , ولوحة سوق قديم في السعودية ) وغيرها من الأعمال, ونجد أيضأ أستخدم التعبيرية في عدد من البورتريهات
.
أن تمسك العبدلي بأسلوب الواقعية التي جعل لها خصوصية بنكهة عراقية وعربية جعلهُ أحد روادها الكبار ولهُ تأثير في تلاميذه والفنانين الشباب , ولكن ذلك حرمنا من فرصة التمتع بمزيد من الأعمال وفق أسلوب المدرستين الأنطباعية أو التعبيرية, وأعتقد أن فناننا الكبير لهُ من التجربة والقدرة الأبداعية على منحنا المزيد من الأعمال المدهشة والرائعة وفق هذه المدارس الفنية
في معارض العبدلي الأخيرة وكان آخرها معرض لندن , كان الهاجس الذي يسردهُ نص اللوني لأعماله , هو البوح بوجع وطن هذا الوجع مكبوت بين طيات قلبه وأضلعه , هو يرسم الجمال الآسر في طبيعة الأنسان العراقي ومدنه الذي يحاول وتحاول خفافيش الليل والوجوه الملثمة الكالحة التي تحاول أن تسقط هذا الوطن صريعا ومريضا الى الأبد , ولكن ريشة الفنان لا تنكسر ولا تتوقف عن النبض بالأيقاع اللوني الآسر , أن كل لوحة يرسمها العبدلي لأحد أزقة بغداد أو مدن العراق وطبيعته هي حالة ثبات عراقية لا يزعزعها أو يقتلها هذا الموت الأسود مهما تكرر أو تكالب عليه , طوبى لهذا الفنان القدير وهو يرسم بريشته ونبضه وعشقه لوطن هو ذاكرته التي لا تصدأ أبدا مهما تقادمت الأيام والسنين ..
                                                       سلمان الواسطي
                                                       أريزونا – الولايات المتحدة





رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  سلمان الواسطي


 

بحث :

Search Help


دليل الفنانيين التشكيليين

موسوعة الامثال العراقيه

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:



 

 

 

 

Copyright © 1997- IraqiArt.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni