... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

  فنون عالمية

   
لماذا نحبّ الرسم؟

فاروق يوسف

تاريخ النشر       14/02/2012 06:00 AM



يمكننا أن نعرّف الرسم بأنه اختراع بشري. النحت بالنسبة الى الإله هو وسيلته المثالية لتأكيد قدرته على الخلق. الإله نحّات. نحن منحوتات. كل ما حولنا من المخلوقات منحوتات.

الحيوانات، النباتات، الحشرات، الجبال، البراكين، الكواكب، حتى الغيوم، هي منحوتات مائية. الريح حركة في الهواء تعمل كما الفرشاة. لكن قوس قزح نوع من الرسم. وهم بصري، سطحه الفضاء ومادته الهواء. الاله يرسم أيضاً. تتدفق التسلية من خلال لقاء يبدو عفوياً بين المطر وضوء الشمس. الحاجة إلى قوس قزح أشبه بالحاجة إلى السراب، لتأكيد المسافة غير المأهولة. السراب، هو الآخر، نوع من الرسم. ما يبقى من الحقيقة باعتباره وهماً.

لقد عثر الإنسان في الرسم على ما يعينه في معركته من أجل القبض على ذلك الوهم، الذي هو مظهر من مظاهر الحقيقة التي يمكنها أن تتسرب مثل الرمل بين أصابع البدوي. علينا أن نحتاط دائماً بكمٍّ هائل من الحذر لكي يمكننا أن نتسلى في اللحظة التي يجب فيها أن نكون حقيقيين. أرى أن المدرسة الواقعية بالغت في تمسكها بغرور الحواس وغطرستها. السراب ينتصر على النظر. بل إن النظر، غالباً ما يكون فعلاً ملتبساً بين شخص وآخر. غير أن المتعة البصرية يمكنها أن تشكل ميزانا للتلقي. كل الارث الجمالي يقيم هناك. في اللحظة التي نشعر فيها بالمتعة. 

 

في انتظار الملائكة

تاريخياً، فإن الواقعية لا تشكل سوى مرحلة قصيرة من مراحل الرسم. غالباً ما كان الرسم يعادي البلاهة الواقعية من خلال عودته إلى مرجعيات هي أشبه بالوعود الأسطورية. من الحكاية الدينية في عصر النهضة حتى حكايات الجسد اليومية في عصرنا، يمتد خيط متوتر من الايقاعات التي ترمي الحصى في بحيرة غير مرئية. الشيطان وحده يعرف أين تقع.
حتى هذه اللحظة فإننا لا نرى من تلك البحيرة سوى السطح.

نقدياً نسمّيه السطح التصويري. التسمية التي تجيز لنا وضع رافايل وبوسان وفيلاسكيز ودالي وبيكاسو وتريسي أمين ورافع الناصري وتيرنر وسي تومبلي وماكس ارنست وغويا والمليحي وزاووكي وبول كلي ومحمود سعيد وتابييس وكارل أبل في صالة درس واحدة في انتظار مرور الملائكة.

سيكون علينا أن نتعلم ما الذي يفعله الخط. وهو وهم. إذ لا وجود للخط في الواقع. مثلما المربع (وهو اختراع بشري) الذي ابتلينا به مذ رسم الروسي كازمير ماليفيتش لوحته "مربّع أبيض على مربّع أبيض".

يعلّمنا الرسم أشياء كثيرة: إن الجمال يقع مرة واحدة ولا يتكرر. وإن تكرر فإن هناك خطأ في مكان ما. حتى الرسامون النمطيون مثل جورج براك، يضعوننا في مواجهة الجمال باعتباره عملية تقطير. نراه مجزأً، ومن أجل أن نصل إليه علينا أن نقضي حياة بأكملها. ليس جميع الرسامين مثل بيكاسو من حيث تنوعه الاسلوبي وسعة المساحة الخيالية التي يتحرك فيها. كان الرسام الاسباني وحشاً في التهامه كل شيء يقف أمامه. لا يفرّق بين أخضر ويابس. الاغريقي كما الافريقي كما الياباني كما المكسيكي. كان بيكاسو ماكينة حرث وبذر وحصاد في الوقت نفسه. مخترع أساليب وخالق أزمنة.
وكما أرى، فإن تاريخ الرسم لم يهب البشرية رسّاماً بضراوة بيكاسو.


الخوف من الرسم

بالنسبة الى بيكاسو فإن الجمال يقع لحظة الرسم. حين يمدّ الرسّام يده إلى الفرشاة تستعد الملائكة للقيام بأفعالها النبيلة. لهذا السبب ستكون البشرية ممتنة لذلك الرجل الذي غطيت لوحته حين إعلان الحرب على العراق. كان وزير الخارجية الأميركي كولن باول يكذب، لذلك طلب أن لا يراه احد وهو يكذب في حضور بيكاسو.

ألهذا يمكننا أن نقول إن الرسم يختصر الحقيقة، ليبقي خلاصتها؟ لا يبتذلها. لا يصفها. لا يدنيها من عناصرها الواقعية ولا يسوقها. الرسم يذهب إلى جوهر الحقيقة. هناك الألم كله. السعادة كلها. الجمال كله. الغضب الاستثنائي كله. ما يجب أن نتعلّمه أن الرسم لا يعلّمنا سوى النظر بطريقة استثنائية إلى العالم. لدى كل رسّام مرآته. يرى ديفيد هوكني الطبيعة من خلال عينيه. كلنا نفعل ذلك. غير أنه يعتقد ان تلك الطبيعة (مثلما في رسومه) لا يمكن أن تُرى إلا مرة واحدة. وهو محقّ في ذلك. رسومه ستعيش طويلاً حيث يمكننا أن نرى الطبيعة من خلالها في لحظة جمال نادرة من نوعها. سنقلّده حين نمر بالمشاهد التي ألهمت خياله. سنرى الطبيعة من خلال عينيه. الرسم يعلّمنا النظر.

حين قبّلت امرأةٌ إحدى لوحات سي تومبلي، أحيلت على المحكمة. غباء يذكّر بغباء كولن باول وإن بطريقة معكوسة. المرأة لم تترك على سطح اللوحة سوى أثر من شفتيها. هو ما كان يحلم به تومبلي. تلك المرأة ألهمت شفتيها خيال تومبلي فكانت مضطرة إلى القيام بفعلتها، التي كانت جرماً، من وجهة نظر القانون. "سأحرس شفتيك إلى أن يصلا إلى الاغنية". لم يقل تومبلي تلك الجملة لأنه حين وقع الحادث كان ميتاً قبل شهور.


البكاء شعراً

جلست تريسي أمين ذات مرة أمام لوحة من مارك روثكو تبكي. أصدّق ذلك. لأنني أبكي كلما قرأت صفحة من بحث مارسيل بروست عن "الزمن الضائع". كان عليه أن يترك لي شيئاً لكي اكتبه. كيف يمكنني أن أكون كاتباً بعد كل الذي قرأته؟ من حق تريسي أن تبكي، ومن حق المرأة المجهولة أن تترك قبلتها على سطح لوحة تومبلي. لطالما حلمتُ أن تكون لي شفتان بالعذوبة التي يستحقها السطح الذي يصنعه خيال تومبلي.

هل يعلّم الرسم الشعر؟ يقول لنا الرسم إن هنالك شعراً كثيراً.      

ليست الكلمات المأهولة بالعاطفة هي مادة الشعر. تلك المادة تقع خارج الشعر. وهي المادة التي ينبعث منها الالهام. المادة الملهمة التي حين يمر بها المرء، فإنه يتغير. ما لم يتغير المرء فإن تأثير الشعر لم يقع. في الرسم شيء كثير من هذا الذي يسبق الشعر. يقبض الرسم على مادته وهي لا تزال في حالة غامضة، هوائية، ليصنع منها عجينة، هي الأساس الذي تنبعث منه الأشكال والمساحات.


غرفة الملهمات

وجد فنسنت في محتويات غرفته في آرل، ما يُرسَم. ليس كرسيه ولا سريره ولا حذاءه. قبل أن يرسمها لطالما تأمل فنسنت تلك الأشياء. لطالما استعملها من غير أن يلتفت إلى قوتها الالهامية الخفية. سيُدقّ الجرسُ في لحظة بعينها، لا تخطئ زمنها. فجأةً يكتشف فنسنت ان كرسيه في المنزل الأصفر سيكون سبباً في العثور على معنى جديد للجمال في حالته النقية. ليس الكرسي في ذاته. الجمال لا يقيم في الكرسي مجرداً من فعل الرسم. علينا أن نعرف، حين الحديث عن الجمال، أننا نخوض في جدال تجريدي. حتى التحولات التي تتعرض لها النفس البشرية تتخذ في أحيان كثيرة طابعاً تجريدياً.    
  
ما من أحد يمتلك الحق في إلزامنا تقديم إثباتات ملموسة على ان ما نراه هو جميل حقاً. الجمال يقع مثل ضربة جناح طائر على ورقة. لن يكون جسد الطائر مهماً لكي يكون المشهد مكتملاً. الجمال يقع هناك. في الفراغ المتحرك بين غصنين. في تلك الفجوة الكونية التي لا يمكن الاستغناء عنها بصرياً. 
ما فعله فنسنت يعدّ سابقة: الحياة اليومية تصلح مادة لإلهام الجمال.


الحقيقة هناك

لن يكون الحديث عن المرآة في هذا المجال إلا ضرباً من الكسل الخيالي. ما لم يظهر في اللوحة، هو ما يبحث عنه الرسّام، ومن بعده المتلقي. تلك الفكرة التي تبقينا قيد التأمل. هل أتحدث عن مرآة لا ترى؟ بل أقصد أن المرآة هي الأخرى تتأمل. الرسم يعلّم التأمل. حين تكلم مارك روثكو عن المعجزات الصغيرة التي ينطوي عليها الرسم، لم يكن يتخيل صورة فتاة جالسة أمام إحدى لوحاته وهي تبكي: هي واحدة من تلك المعجزات. الوثيقة جاهزة والواقع هو مصدرها هذه المرة.

رسّامو الحفر الطباعي يرسمون بالمقلوب. إنهم يقلّدون المرآة. لكنها المرآة التي تباغت الشكل وهو في طريقه إلى الاكتمال. ما من شيء مكتمل وما من حقيقة مثالية. سيشير النقصان إلى خطوة مرجأة. خطوة نستأنفها في كل لحظة إلهام. في المسافة تلك. المسافة التي تقع بين ما تراه المرآة وما تظهره، تقيم الحقيقة. لذا فإن الرسم الحقيقي حتى حين يزيّن، لا يكذب.

لماذا نحب الرسم؟

لأن جزءاً من الحقيقة لا يمكن الوصول إليه إلا من طريق الرسم.





رجوع


100% 75% 50% 25% 0%


مقالات اخرى لــ  فاروق يوسف


 

بحث :

Search Help


دليل الفنانيين التشكيليين

موسوعة الامثال العراقيه

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:



 

 

 

 

Copyright © 1997- IraqiArt.com All Rights Reserved.

 

 

Developed by
Ali Zayni